محفوظ: جنبلاط والهوية القومية وسياسات العزل والحوار
الزعيم السياسي الدرزي وليد جنبلاط يحدد هويته وفقا لتصوّر قومي عنوانه “العمل لأجل كرامة ووجود وهوية الدروز ضمن محيطهم العربي والإسلامي إن كان في لبنان أو في سوريا”.
ليس من قبيل الصدفة أن يجمع اللبنانيون على كون وليد جنبلاط يملك رؤية سياسية بعيدة ترتكز إلى المعلومات الفعلية وتحليلها في سياق التداخل بين ما هو دولي وإقليمي ومحلي. وهو يدرك أن الخلل السياسي في لبنان هو في النظام الطائفي الذي لم يتم تطويره باتجاه تعزيز فكرة المواطنة وتخفيف السقوف المتعددة للطوائفية السياسية وما تستتبعه من تمايز بين مواطن درجة أولى ومواطن درجة ثالثة ورابعة تصيب الأقليات. خصوصا بعد فشل كل المحاولات الإصلاحية وبعد “تغييب مجلس الشيوخ” ولجنة الإشراف على إلغاء الطائفية وعدم إنجاز اللامركزية الإدارية وفقا لما نص عليه اتفاق الطائف.
وهذا الخلل المركزي في النظام الطائفي يأخذه وليد بك في حساباته عند مقاربة الأمور الجوهرية والتي يمكن أن تمس بالوحدة الوطنية وتثير الإشكالات بين المكوّنات اللبنانية فيسارع هو إلى أن يكون السبّاق في لجم الاندفاعات الطوائفية على اختلافها وفي تطويق أي موقف يرى فيه خروجا على الإجماع الوطني أو مدخلا لنفاذ إسرائيلي إلى “الداخل اللبناني”. فإسرائيل وفقا لاعتباره هي “دولة عدوة” وهي دولة “القومية اليهودية”. وهذا ما لفت إليه الانتباه في مخاطبته لدروز إسرائيل التي لا تمنحهم حق المواطنة وعلى اعتبارهم “غرباء” والتي تعمل على تخريب علاقة دروز سوريا بالدولة السورية واستتباعهم في حسابات إسرائيلية هدفها تفتيت المجتمع السوري وإثارة النعرات الطائفية. والدليل على صحة ما ذهب إليه زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي هو أنه قبل فترة جرت تظاهرة حاشدة من المستوطنين اليهود في الضفة الغربية لطرد دروز إسرائيل إلى سوريا باعتبارهم غير مواطنين يهود. وهذه التظاهرة تُوّجت بمقتل درزي. وما يراه وليد بك هو أن إسرائيل لا تأخذ في الاعتبار مصالح الآخرين وإنما استخدامهم. ولذا يحصّن الوضع الدرزي اللبناني بالتكاتف مع النائب طلال أرسلان الوجه الآخر في الزعامة الدرزية. ومن هنا كانت دعوته الى التضامن مع الجيش اللبناني في وجه الانتقادات باعتبار أن ما يجري في المنطقة يشكّل محنة كبرى. كما يرى أن الخيار المتاح للبنانيين يتمثل في الوحدة الوطنية والتضامن والصبر والحوار الدائم بين مختلف فرقاء الوطن والتمسك باتفاق الطائف. وحقيقة الأمر أن “رؤية” وليد جنبلاط هذه هي في مثابة “خريطة طريق” لكيفية معالجة ما نحن فيه من مقاربات متعارضة أحيانا داخل السلطة السياسية نفسها أو بينها وبين أحد المكونات و/أو بين المكونات وخصوصا مع ظاهرة تحميل كل طرف للآخر مسؤولية الخلاف وتراجع الحوار البنّاء.
ولأن وليد جنبلاط شخص واقعي وبراغماتي فهو يرى أن “فتح مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل يُعد أحد الخيارات لإعادة تحرير الجنوب وتثبيت اتفاق الهدنة وترسيم الحدود”. أما عن إمكانية السلام معها فهو يستبعدها في المرحلة الحالية، وهو محق بذلك، عندما خاطب “المنظّرين” الذين يدعون إلى السلام الفوري “طولوا بالكن”. وباستنتاجه أن “ترسيم الحدود أفضل حاليا أوّلا. وهذا يتطلب إجماعا لبنانيا”. وربط ذلك بأن تضع الدولة اللبنانية جدول أعمال وخارطة طريق واضحة والمطالبة بضمانات وهنا ينصح الرئيس عون بأن يضع ورقة المقاومة على طاولة المفاوضات كورقة ضغط لبنانية. كما أنه ينصح الرئيس عون بانتزاع “ضمانات أميركية”. وأما السبب فهو يعرف سلفا بإمكانية أن تكرر إسرائيل ما فعلته في الضفة الغربية من توسيع المستوطنات وقضم الأرض الفلسطينية وعدم الالتزام بالقرارين ٢٤٢ و٣٣٨ بإقامة الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس الشرقية. فخارج الضمانات الأميركية ثمة مخاوف من الاستيلاء على جنوب لبنان وتقسيمه محذرا من طموحات نتنياهو في منطقة عازلة من جنوب لبنان إلى الجولان مرورا بجبل الشيخ خصوصا أن نتنياهو يريد التوسع إلى مشارف دمشق.
خريطة الطريق هذه لوليد جنبلاط والتي ترتكز في جانب منها إلى إدراك “مخاطر العزل الطائفي” هي التي تؤسس إلى فكرة المصالحات داخل السلطة السياسية وخارجها. وهي خريطة تستفيد من تجربة الماضي في اتفاق ١٧ أيار وفي الأخطاء التي نجمت عن شعار عزل الكتائب الذي تحوّل عمليا الى عزل المسيحيين وفتنة أهلية طويلة.
وليد جنبلاط صاحب تجربة تاريخية ورؤية سياسية لبنانية وعربية ومعرفة بالمتغيّرات الدولية وتوازناتها. وهو من نحتاجه كلبنانيين كونه المتعدد الثقافات واللغات والقارئ الجيد للتحولات العميقة في المنطقة بأبعادها المختلفة وتقاطعاتها وتعارضاتها.
عبدالهادي محفوظ
