في رحاب البيوت الشيعية
بقلم دارين الساحلي

في رحاب البيوت الشّيعيّة، حيث تُتلى آيات الذّكر القرٱنيّة، وتُروى مآثر آل البيت عليهم السّلام والسّير النّبويّة، تنهض المرأة بدورٍ لا يُضاهى في تشكيل وعي الأبناء، وغرس بذور المقاومة في أعماقهم وأهمّها الفداء. إنّها مدرسة الجهاد الأولى في نهج العظماء، والحصن الحصين الّذي تتربى فيه الأجيال على حبّ الولاء، والصّبر على الشّدائد وتحمّل البلاء.
تلك الأمّ الّتي أنشأت طفلها على حبّ الحسين عليه السّلام منذ نعومة الأظافر، فشبّ الفتى يعرف أنّ الوقوف في وجه الطّغيان واجب مقدّس يتوق له الأكابر، وأنّ الكرامة لا تُنال إلا بالشّهادة، فيلهث مندفعًا ليتلو صكّ الولادة.
تجلس الأم مساءً وفي الحضن طفل أرادت له نهج المقاومة، فتحكي له عن كربلاء وعن دحض الظّلم دون مساومة: عن العطش الّذي لم يثنِ عزيمة الحسين والسّبي الّذي لم يردعه للكفّ، وعن السّجاد الّذي حمل الرّسالة بعد الطّفّ، وعن زينب العقيلة الّتي صمدت في مجلس ابن زياد فكانت الجديرة لثمار النّصر بالقطف، وصدحت بتلك الجرأة الإيمانيّة: “فكد كيدك، واسع سعيك، واللّه لا تمحو ذكرنا”، فكيف لنفوس أن ترتدع وهي ترتاد الإنسانيّة؟
وهكذا تترسّخ في النّفس الصّغيرة معادلة واضحة: أنّ المؤمن الحقّ هو الّذي لا يسكنه الخوف ورغبته بالجهاد جامحة، وأنّ الانتصار الحقيقيّ ليس في كثرة العتاد، بل في ثبات المبدأ وعظمة التّضحية مقابل جبروت الجلّاد.
وتنمو الأجيال وقد تشرّبت روح المقاومة بالفطرة، وتربّت على أنّ العزّة في الانتماء لخطّ أهل البيت وارتشفته قطرة قطرة، وأنّ الجهاد لحماية المستضعفين فريضة، لا تتخلّى عنها النّفس المؤمنة لتخضع النّفس المريضة.
أمّا في زمننا المعاصر فقد تجلّى هذا الدّور بعظمة لا تخفى وعقيدة خالدة. فمن حجرات البيوت البسيطة في جنوب لبنان إلى أزقة البقاع الصّامدة، كانت المرأة الشّيعية هي السّند الّذي يمدّ المقاومين بالدّعاء والصّبر وعلى الولاء عاقدة . ويتجسّد ألم وداعها لابنها الشّاب وهي تعلم أن لقاء اللّه أقرب من أيّ لقاء، فينطلق الأشوس وقد نُقشت في قلبه آيات الصّمود وسور التّضحية والسّعادة الموعودة في درب الشّقاء.
تلك المرأة التي ربّت أبناءها على نصرة المستضعف، وأنّ قضيّته واجب على كلّ مسلم شريف لئلّا يبقى مستعنف، وأنّ التّحرير قادم لا محال، لأنّ الدّماء الّتي تروي الأرض ليست إلّا ماءً للحياة دون زوال، والموت في سبيل اللّه لا يموت أهله وما في ذلك ضلال.
حقًا، إن المرأة الشّيعية في مشروع المقاومة ليست مجرّد داعمة أو مساندة، بل هي المهندسة الأولى لعقيدة النّصر والقائدة، والرّاعية الّتي تربّي لتخرّج إلى الأمّة رجالًا لا يعرفون الانكسار، أبناءً يرون في الشّهادة أعلى مراتب الفخر وفيهم الانبهار، مقاومين أعاروا اللّه جماجمهم فصدقوا العهد بالجلل والإكبار.
فطوبى لأمٍّ علّمت طفلها أنّ الأرض تُحمى بالعزيمة قبل السّلاح، وأنّ القضيّة العادلة لا تموت وإن طال الزّمن ولها العمل والفلاح، لأنّ الله مع الّذين اتقوا والّذين هم محسنون في الكفاح. وهيهات أن نذلّ أو نكفّ الجماح، فسنبقى أمّة ترفع السّلاح، ولحفظ الوطن قرابيننا خيرة الشّباب الملاح.
