“خدمة الإنسان عبادة”, لهذا السبب إستقبل مطعم “ليلاس” ضيوفع ليلاً.
“خدمة الإنسان عبادة” ، لهذا السبب إستقبل مطعم “ليلاس” ضيوفه ليلاً.
في منتصف ليلٍ ثقيل، حين يختلط القلق بالصمت، جاء إنذار العدو لبلدة كفرحتى في قضاء صيدا. بلدة صغيرة بحجمها، كبيرة بأهلها… تحتضن أبناءها كما تحتضن عائلات نزحت إليها هربًا من نار الجنوب. لحظة واحدة كانت كفيلة بأن تقلب ليل الناس إلى قلقٍ مفتوح على كل الاحتمالات.
لكن، في المقلب الآخر من هذا الليل، كان هناك وجهٌ آخر للبنان.
ما إن انتشر الإنذار، حتى سبقته مبادرة. فيديو بسيط، بلا تكلّف، لشخص من صيدا يفتح باب مطعمه للناس. لم يتحدث بخطابات، ولم يرفع شعارات، بل قالها كما هي: “تعوا لعندي ناطركم … احلى ما تناموا على الطرقات .” وعرّف عن نفسه باسمه فقط: حسن مصطفى صاحب مطعم “ليلاس”.
قد تبدو الحكاية صغيرة في ظاهرها، لكنها في جوهرها أكبر من كل توصيف. ليست لأن حسن فعل شيئًا خارقًا، بل لأنه فعل ما يجب أن يكون بديهيًا… وما عاد بديهيًا في زمن الخوف.
حسن لم ينتظر، لم يحسب، لم يسأل من أين أنتم ولا إلى أين تنتمون. كان أسرع من الإنذار نفسه. وهذه السرعة ليست تفصيلًا، بل هي جوهر الأخلاق حين تتحول إلى فعل. فبين لحظة الخطر ولحظة القرار، تظهر معادن الناس.
حاولت أن أتواصل معه عبر رسالة بواسطة الرقم الذي أرفقه بالفيديو، لا كنازح بل كإنسان رأى في هذه المبادرة صورةً عن لبنان الذي نريده. كتبت له كلمة واحدة تختصر الكثير: “إبن أصل”. لم يجب فورًا، كان مشغولًا بما هو أهم… استقبال الناس. لكن مع أول خيط للفجر، عاد بصوتٍ هادئ، وقال جملة واحدة:
“خدمة الإنسان عبادة… هكذا علمنا الإمام موسى الصدر.”
وهنا، لا تعود القصة قصة شخص. بل قصة نهج.
هذا النموذج ليس حالة فردية، بل هو امتداد لمدرسة كاملة. مدرسة الإمام موسى الصدر التي لم تُخرّج خطباء فقط، بل خرّجت أناسًا حين تأتي الشدة، يتركون كل شيء ويفتحون بيوتهم وقلوبهم قبل أبوابهم.
أبناء هذه المدرسة لا يُعرّفون أنفسهم كثيرًا، لأن أفعالهم تفعل ذلك عنهم. تراهم في الأزمات قبل أن تراهم في الصور. لا ينتظرون الشكر، ولا يسعون إلى الضوء. يعرفون أن كرامة الإنسان من كرامتهم، وأن الوقوف إلى جانب الناس ليس خيارًا، بل واجب.
في كل بلدة، في كل شارع، هناك “حسن” آخر… وربما عشرات الالاف. لا نعرف أسماءهم، لكننا نعرف أفعالهم. هم الذين يثبتون، في كل مرة، أن هذا البلد لا يقوم بالسياسة وحدها، بل يقوم بهؤلاء الذين يشبهون بعضهم في إنسانيتهم.
كفرحتى لم تكن وحدها تلك الليلة. كان معها وجوهٌ تشبه لبنان الحقيقي… لبنان الذي، رغم كل شيء، ما زال يعرف كيف يحمي نفسه بالناس، حين تعجز كل الحسابات الأخرى.


